ورود رماديـــة

في زمن آخر... غير هذا الزمان...
قررت مرة.. وفجأة.. أن أصبح شاعراً..!
وكانت أفضل قصيدة أبدأ بها هي أبيات أرثو بها حبيبتي التي ماتت منذ أيام..!!
كنت أحبها وأعشقها أكثر من أي شيء..
كانت هاجسي وأحلامي وكل شيء بحياتي...
كنا سنتزوج قريباً.. لولا أن خطفها الموت مني..!
ارتديت أجمل ملابسي.. وأخذت أوراقي ومدادي واتجهت إلى منتدى المثقفين والأدباء والشعراء.. فالجو هناك يساعد على الإبداع.. كما ظننت.

في زمن آخر... غير هذا الزمان...
قررت مرة.. وفجأة.. أن أصبح شاعراً..!
وكانت أفضل قصيدة أبدأ بها هي أبيات أرثو بها حبيبتي التي ماتت منذ أيام..!!
كنت أحبها وأعشقها أكثر من أي شيء..
كانت هاجسي وأحلامي وكل شيء بحياتي...
كنا سنتزوج قريباً.. لولا أن خطفها الموت مني..!
ارتديت أجمل ملابسي.. وأخذت أوراقي ومدادي واتجهت إلى منتدى المثقفين والأدباء والشعراء.. فالجو هناك يساعد على الإبداع.. كما ظننت.
ومع فنجان كبير من القهوة التركية (العربية) بدأت أرسم ملامح القصيدة... تلك القصيدة التي غيّرت مجرى حياتي..
على مدى أيام.. أتممت رثاءها بأبيات كثيرة.. اعتقدت أنها شكلت قصيدة القصائد..
خرجت أبياتها من أعماق روحي.. وتغذّت من أحاديث المثقفين حولي وحواراتهم التي ما فتئت تغلغلت في حروفي و نقاطي و سكناتي...
هناك تعرفت إلى مجتمع لم أعرفه من قبل... أدباء.. شعراء..صحفيين..فنانين...
وتوطدت علاقتي بأحدهم.. وتجرأ بعد أيام ليسألني عما أكتب؟ فأطلعته على سري.. ومع نهاية قراءته لأبياتي ... نظر إلي.. نظرة لم أفهمها، وقال ببرود حماسي: ألا تفكر بنشرها؟، قلت: بالطبع (ولم أكن أعي ما أقول)
قال: سيكون لي شرف نشرها لك إن وافقت... وفعلاً نشرها في إحدى الدوريات الأدبية.. و ما هي إلا أيام بعد النشر.. حتى انهالت عليّ العروض واللقاءات والطلبات.. فأبيات رثاء حبيبتي.. خرجت إلى الملأ من أجمل ما قيل من شعر في ذاك الزمان... ولاقت نجاحاً ورواجاً فاق أي تصور أو حلم راودني...
ومع الإصرار الجماهيري الواسع.. عكفت على التأليف والكتابة... وخلال أسابيع قليلة أنهيت الديوان الأول، الذي كان تحت عنوان "رثاء وردي". أتخمته بكل مشاعري وأثقلت كاهله بكل إرهاصات نفسي وأسقط فيه حزني وبثي...
وخلال شهور قليلة أصبح ديواني الأول... حديث الشارع.. وتُرجمَ إلى لغات كثيرة.. لم أحص عددها..!
ودارت الأيام.. وكبرت ثروتي، ليس بالمال والخبز فقط، بل بالأصدقاء ونوادي المعجبين والمعجبات والصحافة والإعلام وزينة الدنيا وما فيها...
وكَبُرَ فيَّ المقام، حتى أنشأت برجاً طاول الغيوم، برجاً من العاج الأسود... اتخذت قمته الزجاجية مكاناً أختلي فيه بنفسي وأنعزل عن العالم السفلي لأؤلف وأبدع وأسمو ولا يعلوني شيء سوى بيت صغير جميل أنشأته لحمائم من أنواع نادرة، كانت تسليني بأصواتها ورفرفتها فوقي...
ولم أنس قط... وبين فترة وأخرى أن أزور قبر ملهمتي التي بموتها حولتني إلى شخص ثري ومشهور.. كنت أزور قبرها.. لا لأقرأ الفاتحة على روحها ولا لأتلو آيات من الذكر الحكيم.. بل لأنثر الورود والأزهار.. ولأروي تربتها بدموعي التي كانت تهطل بغزارة.. لا من الخشوع في حضرة الموت!.. بل للتملق لروح من أحببت بإخلاص، و لترصدني عدسات المصورين الذين كانوا يلاحقون تحركاتي في أي اتجاه...
وكانت صوري تلك تتصدر الصحف وتسرق العناوين الرئيسة... ويزداد الإعجاب من الجمهور العريض وتزداد ملاحقة الغاوين.....!
وكلما مرت الأيام.. يزداد السمو والارتقاء هبوطاً إلى مستنقع الشهرة والمال.. ويزداد التيه والهيام والنسيان..!
ومرة.. وفجأة.. وأنا في خلوتي فوق الغيوم تحت الحمام، فردت أوراقي ومدادي لأكتب وأبدع وأزداد شهرة.. وإذ.. إذ بأوراقي الزهرية يسقط عليها الروث من الأعلى.. إنه روث حمائمي.. ظننت أنها بشرى خير.. ولكن نعيقاً شديداً أسمعه للمرة الأولى بحياتي يزداد ويزداد.. ويزداد معه الروث على الأوراق ليغطيها، وانفجرت دواة الحبر الأزرق وغطت الطاولة الزجاجية.. ولكن غطته بالدم الأحمر القانئ.. وسال الدم على الزجاج والجدران وتناثر في كل مكان، وبدأت أشعر باهتزاز شديد ببرجي العاجي الأسود.. حاولت التمسك بما حولي لكن دون جدوى.. ولم تصل يداي إلى شيء.. وبدأ البرج بالانهيار، وكان آخر شيء سمعته هو رفرفة حمائمي النادرة تحلق بعيداً فوق الغيوم.. لكنها كانت تنعق بذعر، كأنها غربان ثائرة...
فتحت عيوني بتثاقل.. ونظرت حولي.. فلم أر سوى الغبار الأسود يملأ المكان...
وأوراقي حولي.. لم تخطها كلماتي، بل خطها الروث والدم..!
حاولت النهوض..لم أستطع.. فعدت أغمضت جفوني واستسلمت لنوم مريض كئيب.. لكنه زهري اللون...
وبدا النور يشع من بعيد... هاهي حبيبتي تقترب مني.. مددت يدي لتصل إلى يدها.. لم تستجب.. رفضت مد يدها، واكتفت بالوقوف على مسافة لا أصل إليها...
كانت تبدو بأبهى حلة.. وأجمل صورة.. وأحلى شكل، ترتدي ثوباً من الورود التي كنت أنثرها على قبرها كل برهة...
قالت بصوت عذب:
"لقد كنتُ السبب في سقوطك... لقد أحسنت رثائي وأسأت احترام ذكراي...
ما هكذا.. ما هكذا يكون العقلاء...ولا هكذا يتصرف الشعراء النبلاء...
لقد أخذت الوافر من الدنيا.. ونسيت أشياء مهمة..بل هي الأهم.. حصلت على كل شيء يمكن لإنسان أن يحصل عليه في الدنيا.. ولكنك نسيت أن الدنيا فانية.. والآخرة باقية ولا بد آتية...
ما الذي حضرته للآخرة أيها الشاعر الفذّ؟
أهن معجبات حولك! نساء لا قيم ولا أخلاق!
أهي أموال ثريت بها!
أهو ذهب كنزته!
أهو جاه وشهرة غررت بها!
لو لاقيت وجه ربك الآن، وخطفك الموت هل ستعرف كيف هو الموقف؟ أم أنك ستتلعثم ولن تعرف الإجابات؟؟ وسيكون مصيرك الحتمي ناراً تلظى.. لا لأجل قصير.. بل لأبد الآبدين!!...
لقد ارتكبت كل الذنوب أيها الشاعر الكبير.. واستحللت لنفسك المعاصي..! وعشت حياة لم يقدّر لك أن تستبيحها لنفسك..
لقد نسيت صلاتك ونسيت صيامك ونسيت عباداتك و طاعاتك، وعاقرت المحرمات...! ماذا دهاك؟ هل فقدت رشدك؟
ولكن.. لا تيأس... لا تقنط من رحمة الله... فرحمة الله وسعت كل شيء، ومازال الوقت أمامك
قم وأعلن توبتك...
قم واستغفر ربك ليسامحك
قم.. ففي العمر بقية.. قم.. استيقظ من غفلتك.. استيقظ و ع ِ حقيقة وجودك.. قم .. استيقظ.. قم .. استيقظ".
فتحت عيوني لأجدني في غرفة مشفى فاره...
ابتسم لي وجه ملائكي جميل وقالت بصوت ناعم: حمداً لله على سلامتك يا أستاذ..
وأسرعت خارج الغرفة مبتسمة مهللة..
و ما هي إلا ثوانٍ، حتى عادت ومعها طاقم الأطباء..
وفهمت أنني قد دخلت في غيبوبة طويلة إثر السقطة تلك، وقد تماثلت للشفاء الآن، وكان استيقاظي من الغيبوبة هذه أمراً إعجازياً وإنجازاً طبياً يفخرون به... لأن حالتي كانت صعبة وغيبوبتي دامت خمس وثمانين يوماً..!!
لم أتحدث لأحد أبداً في الأيام التي تلت.. مع قدرتي على ذلك.. ولكنني لم أشعر برغبة في الحديث مع أحد.
وخلال الأيام القادمة توافد الزائرون المهنئين بالسلامة... وتخافتت وتيرة حضورهم تدريجياً خلال الشهر الذي قضيته في المشفى والذي تلا صحوتي من الغيبوبة...
كنت دائم الذكر لله بقلبي... ولساني عاجز عن التواصل مع أحد ممن كانوا حولي..
بقيت في ذلك الشهر أتلقى أخبار السوء و الانهيار.. فذلك الزلزال الذي كاد أن يودي بحياتي.. أودى بكل ما أملك، وأنهى حياة البذخ التي كنت أحياها.. وأنهى التاريخ الأسود الذي صنعته بيدي واقترفته خطاي...
وجاء اليوم الذي خرجت فيه من المشفى وحيداً... أجر وراءي أذيال بؤسي وغمي.. لم يرافقني أحد من بطانة السوء الذين كانوا حولي فقد تناثروا كالرماد الذي ذرته الريح في يوم عاصف.. بعد أن بادت مصالحهم معي وفقدت ما كانوا يسعون وراءه...
على الرغم من ذلك كله، كنت سعيداً..! سعيد جداً بأن رب العباد عز وجل قد منحني فرصة جديدة لأصحح ما أفسدته...
وعدت إلى شقتي الأولى المتواضعة الرثة... وبقيت فيها سنة كاملة، لم أخرج منها سوى للمسجد لأداء فرائض الجماعات.. وخلال عزلتي لم يزرني أحد .. ولم يسأل عني أحد...
ولكن.. كانت أجمل أيام حياتي وأسعدها على الإطلاق.. أقضيها بالاستغفار وتلاوة القرآن والتهجد والصلاة... وبقيت أستغفر الله طوال الأيام حتى ظننت أنه غفر لي وقبل توبتي... فهو الأحد غفار الذنوب قابل التوب، يحب عباده الخطائين التوابين..
وعرفت معنى لذة العبادة.. ولذة التقرب إلى الله والتقوى كأنك تراه...
وبعد العزلة بدأت أعمل فيما يرضي ربي عني.. لأتقرب إليه ويقبلني ولا يردني.. و لأعتاش قوتي.. وأتصدق بما يفيض...
وفي يوم.. ومرة.. وفجأة.. خطر لي أن أزور قبرها لأقرأ الفاتحة ... وأتلو آيات من الذكر الحكيم .. وأشكرها لأنها كانت المحرض على بدء حياتي الجديدة السعيدة.. وهكذا ذهبت ولم آخذ معي وروداً.. ولم يكن هناك أية حشود صحافية..
ولكنني.... ويا للهول..! لم أجد قبرها..!! بحثت كثيراً في كل زوايا المقبرة.. بحثت في المقابر المجاورة... لا فائدة....! لا أثر لقبرها!... ولا وجود له..
لم أجد سوى بقايا ورود ذابلة متناثرة في أنحاء المقابر...
قرأت الفاتحة على أرواح الموتى... ذاكراً الله تعالى...
وانصرفت....



السفرجل
أنواع الفواكة والخضار التي تنقص من الوزن
 

تعليقات (0)

لا يوجد تعليقات منشورة هنا

ترك تعليقاتك

نشر التعليق كزائر. انشاء حساب أو تسجيل الدخول إلى حسابك.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location